السيد كمال الحيدري

150

المعاد روية قرآنية

الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ( المؤمنون : 14 12 ) . وقد استدلّ الرازي بهذه الآية على إثبات أنّ النفس ليست بجسم ، فقال : « الحجّة الثالثة : أنّه تعالى ذكر مراتب الخلقة الجسمانيّة فقال : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ . . . إلى قوله : فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ولا شكّ أنّ لجميع هذه المراتب اختلافات واقعة في الأحوال الجسمانيّة ، ثمّ إنّه تعالى لمّا أراد أن يذكر نفخ الروح قال : ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ وهذا تصريح بأنّ ما يتعلّق بالروح جنس مغاير لما سبق ذكره من التغيّرات الواقعة في الأحوال الجسمانيّة وذلك يدلّ على أنّ الروح شىءٌ مغاير للبدن . . . » « 1 » . فالله تعالى من خلال قوله : ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ يصف هذه المرحلة من خلقة الإنسان بخلق آخر ، ويختلف عمّا سبق من مراتب الخلقة ، وما هذا إلّا لوجود اختلاف جوهرىّ بين تلك المرحلة وما سبقها من المراحل ، فالمراحل الأولى تصوّر الإنسان بأنّه موجود مادّى أشبه بموجود حىّ له حركة طبيعيّة ، ولكنّه بعد طيّه لتلك المراحل يصل إلى مرحلة تعلّق الروح به ، وفى هذه المرحلة تتبدّل المادّة إلى خلق آخر ، وهذا إن دلَّ على شئ فإنّما يدلّ على امتياز تلك المرحلة عن سائر المراحل وليس هو إلّا تجرّد روحه ونفسه . الثانية : قوله تعالى : وَقَالُوا أَ إِذَا ضَلَلْنَا فِى الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ( السجدة : 10 ) . وفى الآية إشارة إلى شبهة منكري المعاد ، وحاصلها : أنّ الموت سببٌ لتفسّخ أعضاء البدن واندثار رميمه في أطراف العالم وأكنافه ، وهو يلازم

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ، مصدر سابق : ج 21 ص 51 .